مختبر الأفكار

11th April 2019

News

قد يكون الفشل حافزاً كبيراً على التقدم والنجاح. فعلى سبيل المثال، تطورت مدينة برشلونة الإسبانية خلال الـ 25 عاماً الماضية من مركز صغير إلى وجهة سياحية نابضة بالحياة. ولكن تطورها هذا ترافق مع بعض المشكلات، لا سيما من ناحية الازدحام المروري. وبدا ذلك جلياً عندما فشل عمدة برشلونة في التفاوض للتوصل إلى اتفاق بين شركات خدمات نقل الركاب مثل "أوبر" وسائقي سيارات الأجرة في المدينة. بلغت هذه المشكلة ذروتها في مطلع هذا العام عندما بدأ سائقو سيارات الأجرة إضراباً مفتوحاً، تاركين السكان الذين يعانون أساساً بدون مصدر موثوق للتنقل.

وقال السيد ترافالييني: "غالباً ما يكون الفشل الذريع نتيجة تراكم خمسة أو ستة أخطاء صغيرة. وبالنسبة لحالة مدينة برشلونة، فقد اجتمعت عدة مشاكل اجتماعية منها: الكاتالونيون المطالبون بالانفصال عن إسبانيا، والمشكلات بين المقيمين منذ فترة طويلة في البلاد والمهاجرين المحليين الجدد. في النهاية، انسحبت أوبر واحتفل سائقو سيارات الأجرة، ولكن خسر معظم الناس. واستثمر البعض في مجال السيارات على أمل كسب أموال إضافية، بينما علِق البعض الآخر في نظام تشغيل رديء في مدينة لا تزال تشكل فيها حركة المرور كابوساً حقيقياً".

طُلب من المشاركين في مختبر الأفكار التحدث عن حالات شهدوها أو عاشوها عن فشل التخطيط الحضري من حيث الدعم الذي تقدمه المدينة لمواطنيها. تحدث السيد ناصر خريبوط، مساعد وكيل في مجال الإسكان والتصميم في الكويت، عن مدينة تبلغ مساحتها 40 ألف متر مربع، وتضم 10 آلاف وحدة سكنية، تم بناؤها دون مراعاة لاحتياجات المجتمع. وقال: "بنينا الوحدات دون خدمات، لذلك تردد الناس في الانتقال للسكن فيها. وبدون وجود سكان، خشي المستثمرون من الاستثمار هناك، فتحولت المدينة إلى ما يشبه المهجع."

اختارت المؤسسة التي تعمل لديها الدكتورة نهى التني، المعهد العربي لإنماء المدن، حياً أراد تغيير معالمه وتشاورت مع الناس المعنيين حول ذلك. فذهب ممثلون عنها إلى المدارس وتحدثوا مع الأطفال، الذين قدموا آراء وأفكار رائعة. ولكن عندما قصد ممثلو المؤسسة أولياء الأمور لاستشفاف آرائهم، وجدوا أن الأهالي غير مدركين لأهمية المساحات الصديقة للأطفال. وقالت الدكتورة التني: "يحق للناس المشاركة في تخطيط المدن، ولكن تكمن المشكلة في تغيير العقلية السائدة لديهم. تخطيط المدن ليس خطوات تتبعها من الكتب، إذ لديك مجموعة من الأطراف المعنية عليك مراعاة احتياجاتهم. لنقل على سبيل المثال، أنك حجزت غرفة تقدم فيها الشاي والقهوة اللذيذة، ولكن كيف يمكنك أن تجعل الناس في هذه الغرفة يفهمون المشكلات ويشاركون فيها؟"

وقال السيد ترافالييني: "إن تصميم المباني ليس بمشكلة، لكن المشكلة الحقيقية تكمن في تغيير طريقة التفكير. إنني أتعامل في معظم عملي مع الشركات. وفي بعض الأحيان، يكون الرئيس التنفيذي قد قرأ كتاباً ويريد تأسيس برنامج جديد بناءً عليه، لكن عندما يحاول تنفيذه، لا تثق الخطوط الأمامية من طاقمه بهذا البرنامج. فأنت بحاجة إلى وجود عامل الأمان النفسي لكي يتمكن الناس من التعبير عن أنفسهم دون خوف. عندما ننظر إلى حالات الفشل كخبراء، فإننا ننظر إلى التعقيد وليس فقط إلى الأمور البسيطة."

يَعتبر بِن، وهو خبير عالمي في مجال الأفكار، أن تفضيل الجديد على القديم أمر محبط حقاً. فعندما زار مملكة البحرين، صدمته النواة الحضرية القديمة التي تم تصميمها بحيث تستفيد من نسائم البحر في التبريد. ولكن عندما زار مسجداً بني من الطين في المملكة العربية السعودية، لاحظ وجود مكيّف هواء يسبب جفاف ذلك الطين.

وقال السيد ترافالييني: "من المحزن جداً أن نرى الكثير من المعارف تذهب طي النسيان. كنت أتحدث مع فرانك جيري ذات مرة عندما قال لي: ’لا يوجد شيء جديد، فالتصميم الجيد يرتكز إلى أساليب وتقنيات قديمة جداً، ولكن ينسى الناس كيفية استخدامها‘."

تم تقسيم المشاركين إلى مجموعات تمثل مختلف الدوائر الانتخابية للمدينة، وهي: الشباب، وكبار السن، والمستبعدون، والمهنيون المقيمون، والطبقة العاملة، والعاملون في مجال المعرفة، والعائلات التي لديها أطفال، ورواد الأعمال، وموظفو الخدمة العامة، والشركات الكبرى والدولية، والمهاجرون، والأقليات، ونسبة الواحد بالمئة. طُلب من كل مجموعة التفكير من منظور المواطنين المنتمين إلى الفئة التي تمثلها مجموعتهم، والإجابة على الأسئلة التالية:

  1. ما هي حالات الفشل التي مُنيت بها هذه الفئة من حيث أعمالها وحياتها؟
  2. ما هي حالات الفشل التي مُنيت بها هذه الفئة من حيث الإمكانيات غير المستثمَرة؟

ومن وحي هذه الأسئلة، طُلب من المجموعات استخلاص أهم الأفكار والمشكلات الأكثر إلحاحاً التي تواجه الفئة التي ينتمون إليها. وتم منح كل ممثل عن مجموعته 3 دقائق لتقديم النتائج التي توصلوا إليها متخيلين أنفسهم في قاعة المدينة.

وإليكم بعض التعليقات:

المستبعدون

الفكرة الأهم: "لكل مدينة بُعد مختلف. في نهاية المطاف، جميعنا ’مستبعدون‘. ولكي تتمتع مدينة ما بصفات المدينة الحقيقية، يجب أن تمنح الجميع حقوقهم فيها."

المشكلة الأكثر إلحاحاً: "يقتصر تتطور معظم المدن على الناحية الاقتصادية. ولكن ليس هذا ما تحتاجه، إذ ثمة ضعف في القيم الإنسانية. وما يميز المدن هو مدى تفاعل سكانها."

العائلات التي لديها أطفال

الفكرة الأهم: "إن المساحات الاجتماعية هي ما يضمن استدامة المدينة. اعملوا على توفير المساحات الاجتماعية الملائمة، وسوف تستقطب المزيد من الناس."

المشكلة الأكثر إلحاحاً: "عدم وجود مساحات شاملة وتفاعلية. ولا تقتصر هذه المساحات على مراكز التسوق فحسب، وإنما على أماكن التثقيف والترفيه أيضاً."

الطلاب

الفكرة الأهم: "نعتقد أن المدن فقدت قدرتها على توفير حياة مُرضية لساكنيها، أو تبني ثقافة هادفة أو ذات مغزى. كما يعاني العديد من الشباب من اليأس، ونحن بحاجة إلى تمكينهم من المساهمة في بناء الأمة."

المشكلة الأكثر إلحاحاً: "لا تزال الجامعات مُقصرة في تزويد الطلاب بالمهارات اللازمة للاقتصاد القائم على المعرفة."

كبار السن

الفكرة الأهم: "حددنا أربع ركائز أساسية هي: المشاركة، والدعم، والتمكين، والتركيز على القيمة. ثمة العديد من السياسات الداعمة لكبار السن، ولكنهم لا يشعرون في معظم الأحيان بأنهم مستفيدون من هذه السياسات. ومن الضروري أن نضمن نقل معارفهم وخبراتهم إلى جيل الشباب."

المشكلة الأكثر إلحاحاً: "كبار السن مستبعدون من عملية صنع القرار. ثمة العديد من المرافق لمساعدتهم على التأقلم، ولكن توجد مشكلة نفسية تحول دون ذلك، إذ يشعرون بأنهم مُهمَلون."

العمال ذوي الياقات الزرقاء

الفكرة الأهم: "يعمل هؤلاء الأشخاص بمستوى معين، ويُطالَبون بالبقاء في هذا المستوى، فلا يتمكنون أبداً من الارتقاء إلى مكان أفضل. لكن من الضروري أن يكون هناك تكامل ثقافي. وغالباً ما ينحدر العمال من ثقافات مختلفة، لكنهم مستبعدون من الحوار."

المشكلة الأكثر إلحاحاً: "يُعتبر العمال، سواء العاملين في مجال الإسكان أو المرافق العامة أو غيرها، فئة مقصية من المجتمع. لكن من الضروري أن نفهم أننا نتشارك التقاليد والقيم ذاتها مهما اختلفت درجاتنا الثقافية."

نسبة الواحد بالمئة

الفكرة الأهم: "تُعدّ السعادة والرفاهية مجرد فقاعة واهية في ظل وجود درجة كبيرة من انعدام المساواة. كم ستدوم هذه الفقاعة؟ وهل هي مستدامة؟"

المشكلة الأكثر إلحاحاً: "التخطيط المتوازن الذي يضمن فرص عادلة للجميع."

موظفو الخدمة العامة

الفكرة الأهم: "هناك الكثير من مشاريع التخطيط الحضري التي لا يتم تخصيص ميزانية أو موارد بشرية لها، ولكن يمكن التعويض عن ذلك عبر تمكين موظفي الخدمة العامة من المساهمة بطرح الأفكار وخفض التكاليف."

المشكلة الأكثر إلحاحاً: "لمَ لا يُسأل موظفو الخدمة المدنية عن أفكارهم ببساطة؟ إننا نتجاهل آراء هذه الفئة الهامة ونأتي باستشاريين. دافعوا عن حقوق موظفي الخدمة العامة في التعبير عن رأيهم."

رواد الأعمال

الفكرة الأهم: "إذا كانوا رواد أعمال، فلن يحتاجوا إلى أي شيء."

القضية الأكثر إلحاحاً: "توفير الأماكن والمجال والأمان لدعم نموهم وازدهارهم."

ثم طُلب من الجمهور التعليق على الأفكار التي تم طرحها. أشار حسين من مصر إلى أن البيئة غابت عن معظم النقاشات. "لا يقتصر الأمر على الاهتمام بالبيئة فحسب، وإنما ربطها بأهداف التنمية المستدامة. لكن النقاش أهمل القضايا الاجتماعية ومشكلة المناخ."

وأضاف خبير التخطيط الحضري حمد، بأن تطوير العديد من الحلول يتم باتباع نهج هرمي يتدرج من الأعلى إلى الأسفل بدل أن يكون بالعكس: "هنالك اعتماد كبير على الاستشاريين، بينما يمكن الاستفادة كثيراً من التكنولوجيا. ولذا، فإن اتباع نمط تفكير شامل يمنح شعوراً بالتحرر والقدرة."

ويعتقد علي، وهو خبير اقتصادي من جامعة القاهرة، أن مختبر الأفكار كان مفيداً للغاية لأنه جمع تحت مظلته أفراداً من مختلف الخلفيات والأعمار والانتماءات الجغرافية. إذ قال: "يسهم ذلك في خلق نهج تشاركي يعد ضرورياً للتنمية. وينبغي أن نطبق هذا النهج خارج المختبر أيضاً. فإذا لم نستمع إلى الأطراف المعنية، لن نتطور بطريقة مستدامة".

وقالت سيدة من بيروت: "لماذا نرغب في الانتقال إلى مدينة معينة؟ لأننا نعتقد أنه بإمكاننا إيجاد حياة أفضل هناك. وهذا جانب مهم للغاية، إذ ينبغي للمدن أن توفر حياة أفضل للناس."

وقال الدكتور وليد:" ثمة مشكلة حقيقية تواجه البلديات في هذه المنطقة، ألا وهي استهلاك الطاقة، فنحن من بين أكثر الدول استهلاكاً للطاقة في العالم. وهنا تبرز أهمية الاستدامة."

وأشار السيد محمد من عمّان إلى أن التركيز على الفشل قد لا يكون النهج الصحيح في هذه المنطقة. وقال "نشأ الكثير منا وترعرعوا مع الفشل. لذا يجب أن يركز نهجنا على السبل التي تكرس الصواب لا الخطأ. ومن الجيد في مثل هذه الفعاليات أن نسمع جميعاً عن المسجد الذي أعيد بناؤه في مدينة الموصل العراقية."

ويعتقد السيد خوري، مدافع عن البيئة الحضرية من الأردن، أن أهم شيء في التطور هو "الحفاظ على تنوع الثقافات في هذه المنطقة وإدراك القواسم المشتركة بيننا. وما قد يكون ملائماً في منطقة معينة قد لا يناسب مناطق أخرى. صحيح أن لدينا شبكات وأولويات مختلفة، ولكن يجب أن يكون الإنسان محور مشاريعنا جميعاً."

ثم دعا السيد ترافالييني مديرو النقاش إلى إضافة آرائهم.

فنوه السيد إدريسا ضيا إلى أن النقاش لم يغطي مشاركة النساء والأقليات بشكل وافٍ. وقال: "لا يمكننا أن نهمل نصف المجتمع من النقاش. كما تمثل الأقليات والمهاجرون عناصر مهمة لبناء مدينة ملائمة للعيش، لذا من الضروري أن يكون لهم حضور أفضل في النقاشات حول التخطيط الحضري."

أما الجانب الآخر لبناء المدن المستدامة فسيكون جمع البيانات واستخدامها. وعلي سبيل المثال، يوجد العديد من الإجراءات والعقبات لمجرد تسجيل قطعة أرض، لكن يمكن لاستخدام نهج البلدية الإلكترونية والرقمنة أن يساعدنا أكثر في التعرف على الأراضي المتاحة ومدى ملاءمتها. وثمة العديد من التحسينات التي يمكن تحقيقها باستخدام البيانات لجعل النقل أكثر ذكاءً أيضاً. وقالت الدكتورة أريج الوابل: "يجب أن ندرس البيانات الضخمة ونستفيد منها لفهم طريقة بناء المدن". وفي حين أن التكنولوجيا مهمة للتخطيط القائم على الأدلة، يجب ألا ننسى العنصر البشري. وقال السيد ترافالييني: "ستكون البيانات مهمة. لكن الاستشاريين عنصر محوري، إذ لا يمكن للبيانات والتكنولوجيا أن تقوم بالعمل الشاق المتمثل في تغيير الأشياء، والمساءلة، واتخاذ القرارات الصعبة، وتحمل الخسائر."

يمكن تعريف الثقافة بأنها مجموعة من الأفكار والسلوكيات والعادات والتقاليد التي يتمتع بها شعب أو مكان معين. وفي هذا السياق، قال السيد وكيم زيدان: "في الماضي كانت نرى العديد من القرى التي تتشارك الثقافة ذاتها. أما في المدن اليوم، فنجد مراكز ومناطق محورية معظمها اقتصادية، حيث نقوم بتهميش المشاركة والتفاعل المجتمعي". تتطور المساحات الحضرية بما يتناسب مع تقاليد المجموعات الجديدة التي تستخدمها. وعلينا أن نتباحث في القيم التي نتشاركها وكيف يمكننا مشاركة ثقافاتنا ومساحاتنا. وأضاف السيد ترافالييني: "نحن نصمم مبانينا ومدننا وهي بدورها تحدد معالمنا. فكيف يمكننا أن نعكس هذه الآية؟ ومن منظور ثقافي، كيف يتفاعل المجتمع ويصمم المساحات لتلبية احتياجاته؟"

للإجابة على هذا السؤال، اقترح الدكتور وليد علي أن نركز على البيئة، وقال: "يوجد نقص في المساحات الاجتماعية والمساحات الخضراء. ونحن بحاجة إلى بنية تحتية مستدامة وارتباط وثيق مع الطبيعة والنظم البيئية. ويشمل ذلك النقل العام، لا سيما للعائلات ذات الدخل المنخفض."