مدن الفرص: ربط الثقافة والابتكار

11th April 2019

News

محمد عصفور
معين خوري
الدكتورة نهى التني
زهرة خليفة
زينة علي أحمد

يعتبر دمج التنمية الحضرية المستدامة بالثقافة الفريدة للمنطقة أمراً بالغ الأهمية لتحول المدن العربية. وخلصت هذه الجلسة إلى أن الصيغة الأفضل لذلك هي في تبني نهج متوازن يراعي معطيات الماضي والمستقبل في آن معاً، وينظر في القضايا الاجتماعية والبيئية والثقافية تماماً كما يبحث في القضايا الاقتصادية. وقالت السيدة درغام بهذا الخصوص "إن المدن التي ولدنا فيها لن تبقى على حالها عند مماتنا. كيف نتصور شكل هذه المدن؟ وماذا ستقول الأجيال القادمة عنها؟ ستكون مختلفةً تماماً عما نعتقده، ولا أقصد بذلك فقط جمال المباني."

 

وتشكل دولة الإمارات العربية المتحدة نموذجاً للمستقبل من نواحٍ عدة. وتعمل وزارة الثقافة وتنمية المعرفة في الإمارات مع مجموعة متنوعة من القطاعات والجهات الحكومية، وعقدت ورش عمل في جميع أنحاء البلاد لاستكشاف الوسيلة المثلى لوضع أجندتها. وخلصت الوزارة إلى أن بناء المنشآت الجديدة ليس دائماً هو الحل الأمثل لتلبية حاجة المؤسسات الثقافية إلى مساحات العمل.

 

وقالت سعادة سلمى الدرمكي بهذا الخصوص: "لدينا أماكن استثنائية بالفعل مثل متحف اللوفر أبوظبي، ومع ذلك تبقى المساحات الثقافية محدودة العدد. ولكن ليس من الضروري إنشاء بنية تحتية جديدة في كل مرة؛ والسؤال هنا هو كيف نستفيد من المباني الموجودة أساساً؟ يقول البعض أن دولة الإمارات تأسست فقط في عام 1971، فكيف يمكن لبلد فتي كهذا أن يمتلك تراثاً؟ وفي هذا السياق، نعمل حالياً على قائمة من مواقعنا التراثية لتسليط الضوء على التاريخ العريق لدولة الإمارات العربية المتحدة، ونحن نسأل أنفسنا كيف يمكننا الحفاظ على المعالم الأثرية الموجودة في الدولة."

 

وأدى اهتمام الوزارة بالتاريخ إلى إطلاق مشاريع عدة في العالم العربي لترميم المباني المهمة. وانسجاماً مع عام التسامح في دولة الإمارات، أعلنت وزيرة الثقافة وتنمية المعرفة معالي نورة الكعبي أن دولة الإمارات ستموّل ترميم كنيستين دمرهما داعش في الموصل. كما تتعاون إمارة أبوظبي مع منظمة الأمم المتحدة لإعادة بناء جامع النوري في الموصل، والذي أولاه صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان اهتماماً خاصاً.

 

وأضافت سعادة سلمى الدرمكي: "أراد صاحب السمو من ترميم مسجد النوري أن يمنح الأمل لسكان الموصل، عدا عن كونه موقعاً تراثياً يهم العالم بأسره. وركزنا في هذا المشروع على موضوع الاستدامة أيضاً. حيث ساهمت إعادة بناء الجامع في توفير 1000 فرصة عمل، وسيؤدي عند اكتماله إلى ازدهار الحركة السياحية بما يصب في مصلحة المجتمع عموماً".

 

وفي الجانب الآخر من التنمية الحضرية، يتمحور مفهوم هايبرلوب حول نقل الركاب ضمن حجرات تنتقل بسرعات عالية عبر أنابيب محكمة الاغلاق دون أي مقاومة للهواء. ولأن هذا النظام لا يستخدم الطاقة الكهربائية، لذا فهو يمتاز بانخفاض تكاليف إنشائه وصيانته، فضلاً عن انخفاض بصمته البيئة أيضاً.

 

يرأس السيد بيبوب جريستا فريقاً مكوناً من 800 مهني مختص يعملون في 40 دولة بما فيها دولة الإمارات العربية المتحدة، وهم يبنون نموذجاً أولياً لهذا النظام بطول 5 كيلومترات. ومع أن المشروع مستقبلي إلى حد بعيد، إلا أن السيد جريستا يعتبر أن فهم الماضي هو أساس نجاح فريقه. ويقول بهذا الخصوص: "عندما نتحدث عن الاستدامة، علينا أن ننظر إلى الماضي لنتجنب ظهور 10 مشاكل لها حل واحد، ونحتاج بذلك إلى تغيير طريقة تفكيرنا وتبني الاستدامة ضمن معايير التصميم."

 

وتلقى مشروع "هايبرلوب" أخباراً جيدة في مؤتمر ساوث باي ساوث ويست الذي انعقد في مدينة أوستن بولاية تكساس الأمريكية في مارس، حيث أعلنت فيه وزيرة النقل الأمريكية إلين تشاو أن الحكومة الفيدرالية تبحث رفع القيود لإطلاق أشكال جديدة من أنظمة النقل. وأعلنت هايبرلوب أيضاً أنها ستقدم أسهماً في الشركة للأشخاص الذين يتطوعون للعمل في المشروع. وقال السيد جريستا بهذا الخصوص: "المشروع معقد للغاية، وإذا كنت تريد تطويره بالشكل الأمثل، فأنت تحتاج إلى خبرات تكنولوجية عالية، ولهذا نفكر في تنفيذه بأسلوب التعهيد الجماعي".

 

وكان هذا النهج التصاعدي لحل المشكلات من القاعدة إلى القمة محور تركيز الدكتورة ليلى إسكندر أيضاً. وقبل أن تشغل منصب وزيرة التطوير الحضاري والعشوائيات في مصر، عملت الدكتورة اسكندر في المناطق المحرومة من البلاد. وتعتقد أن قاطني هذه الأحياء لديهم الكثير من الأفكار التي قد تفيد المخططين الحضريين، ولكن غالباً ما يتم تجاهلها. وأشارت - على سبيل المثال - إلى أن بيئة العشوائيات تشكل بيئة خصبة لازدهار روح ريادة الأعمال بطرق شتى، وقالت الدكتورة إسكندر بهذا الخصوص: "هؤلاء الأشخاص يرون في النفايات فرصة استثمارية؛ هم لا يقومون بإعادة التدوير، وإنما يجمعون المواد. وهم بذلك يخلقون سبع وظائف مقابل كل طن من النفايات."

 

وتحظى الدكتورة اسكندر بدعم رئيس مجلس الوزراء الحالي مصطفى مدبولي الذي أطلق برنامجاً يجمع سكان العشوائيات مع المنظمات غير الحكومية والأكاديميين والخبراء القانونيين لدعم أعمال التخطيط الحضري. وعليه يتم التأكيد على المطورين الجدد في مصر أن يضعوا سبل عيش الناس في حسبانهم قبل التخطيط لأي مشروع جديد. وقالت الدكتورة اسكندر "بنينا في السابق أحياءً جديدة بتكاليف كبيرة، لكننا لم نخصص فيها مساحات كافية للتجمعات غير الرسمية. علينا ألا نكرر هذا الأمر في المستقبل؛ فالمدن لا تتعلق فقط بالإسكان، وإنما بتخصيص مساحات للمشاريع الصغيرة والمتوسطة، والمحلات التجارية العائلية، وغيرها من سبل العيش الأخرى."

 

وتعتبر مدينة شفشاون الواقعة في شمال غرب المغرب مثالاً حياً لمدينة نجحت بدمج ماضيها في التصاميم الحضرية الراهنة. وكانت شفشاون، المعروفة باسم "المدينة الزرقاء" نسبة إلى اللون الأزرق الطاغي على جدرانها، قد تحولت إلى مدينة صديقة للبيئة مع خفض استهلاكها للكهرباء بنسبة الثلث خلال السنوات العشر الماضية. وكان قد تم انتخاب السيد محمد السفياني عمدة للمدينة في عام 2009، حيث أشرف على عمليات تجديدها الحضري. وانطلق يحاور السكان والشركات للتعاون على إيجاد الحلول الحضرية الأنسب، واستندت أغلب هذه الحلول إلى ماضي المدينة.

 

وقال السيد السفياني بهذا الخصوص: "قبل الشروع في التخطيط، بحثنا الأمر مع المواهب المحلية باعتبارهم الأقدر على فهم تراثهـم. وكان سكان المدينة قد اعتادوا على طلاء جدران منازلهم باللون الأزرق. وحتى فيما يتعلق بالاستدامة، يكنّ السكان المحليون احتراماً كبيراً للبيئة، وهو أمر ورثوه عن أسلافهم الأندلسيين."

 

وفي ختام الجلسة، طلبت السيدة درغام من المتحدثين إيجاز محاور تركيزهم الأساسية. فقالت سعادة سلمى الدرمكي "نركز على ترجمة طموحنا إلى واقع ملموس؛ نحن فخورون بإنجازاتنا، ونسعى إلى تنفيذ أجندتنا الثقافية لعام 2031."

 

وقالت الدكتورة إسكندر: "ينبغي أن تكون مدننا حاضنةً للجميع دون أي تمييز. فهناك توجه مثير للقلق يميل فيه الميسورون للعيش في مجمعات تسهّل عليهم سبل العيش والتنقل، بينما يعيش الناس الأقل حظاً في مناطق متباعدة يستخدمون معها وسائل نقل تفتقر إلى الكفاءة."

 

وقال السيد جريستا: "بعد عام من العمل مع شركة تأمين كبرى، استطعنا أن نثبت بأن نظام هايبرلوب آمن بالكامل وقابل للتأمين. ونعمل حالياً مع الجهات المعنية في 11 بلداً كانوا قد استثمروا في المشروع لتصميم إطار عمل تنظيمي يدعم تطوير النظام بطريقة آمنة ومنخفضة التكلفة."

 

وقال السيد السفياني: "كما توجد أماكن جيدة للعيش، علينا ألا ننسى بأن الكثيرين يعيشون في مناطق تفتقر إلى مقومات العيش الكريم. آمل أن نعيد التفكير بهؤلاء لأنهم تراثنا."