المدن العربية: تكيف وتسامح

11th April 2019

News

محمد عصفور
معين خوري
الدكتورة نهى التني
زهرة خليفة
زينة علي أحمد

لتنعم المدن العربية التي تحتضن ثقافات متنوعة على نحو متزايد بالسلام والازدهار، عليها أن توفر بيئة حضرية ترحب بالتنوع. فكيف يمكن لمختصي التخطيط والتنمية الحضرية التعامل مع احتياجات المجتمع لتحقيق المرونة واتباع نهج مستدام في إعادة البناء؟ وكيف يمكن لثقافة الانفتاح أن تسهم في تحفيز المشاركة المجتمعية، وتحديد هوية المدينة، وبناء مستقبل أفضل للجميع؟ قالت الأستاذة زينة علي أحمد: "إن المرونة والتسامح موضوعان بالغا التعقيد. وبرأيي فإن المنطقة العربية تتمتع بالغنى الثقافي والديني، ولكننا لا نسخّر هذا التنوع والغنى لصالحنا بالشكل الأمثل. فكيف يمكننا إحداث التوازن بين توفير الخدمات الضرورية والاستدامة؟"

ردّ السيد عصفور أن الإجابة على العديد من هذه الأسئلة تكمن في تبنّي منهجية تفكير "خضراء"، ولكنه لم يقصد بكلمة "أخضر" الاعتبارات البيئية فحسب، بل عنى أيضاً تحقيق حالة من التناغم مع محيطنا، وهذا يتضمن التسامح تجاه الفئات الاجتماعية المختلفة التي ميزت المدن العربية الكبرى تاريخياً، وقال السيد عصفور: "يجب أن نتعلم من تاريخ القاهرة وبغداد اللتان استقطبتا الأدمغة من جميع أنحاء العالم. فاحترامنا لتنوعنا الثقافي يندرج في إطار صون هويتنا".

وتشكل إعادة الإعمار قضية ملحة بسبب كثرة الصراعات التي تعصف بالمنطقة، ما دفع مجموعة السيد عصفور إلى تحديد مبادئ توجيهية للإعمار المستدام، وهي تعمل حالياً على مشروع يشتمل على جميع القيم الخضراء. وأضاف: "ضاقت مجتمعاتنا ذرعاً بالإرهاب واستلاب الحقوق، والآن قد تكون الفرصة سانحة لنؤكد أن التنوع والتسامح كانا ركيزتين هامتين في المدن العربية قديماً."

تمتلك دولة الإمارات تاريخاً غنياً، وليس فقط من الناحية الحضرية. فدبي وأبوظبي تعتبران حديثتا العهد كمدن كبرى. وهنا تبرز بعض التحديات عند محاولة المواطنين استكشاف سبل التكيف مع ماضيهم الريفي، بالإضافة إلى بعض الفرص بما أن تاريخ هذه المدن خالٍ نسبياً من الصراعات الكبرى. وأحد المزايا الفريدة التي تتسم بها الحكومة الإماراتية هي وجود وزارة التسامح، التي توفر برامج تؤثر على جميع الناس من مختلف المشارب. وقد أعلنت الحكومة الإمارتية على هذا العام 2019 "عام التسامح"، وقدمت مبادرات عدة للاحتفاء بهذه المناسبة.

وقالت الأستاذة خليفة: "في نهاية المطاف، جميعنا بشر تجمعنا العواطف والمشاعر. ومعاً، يمكننا أن نساهم في جعل مدننا مكاناً يشعر فيه الجميع بالسعادة، فنحن نصبو لتحقيق الاستدامة ونتطلع لبناء مستقبل يوفر فسحةً للتسامح." وأشارت إلى برج خليفة بوصفه مبنىً أيقوني أصبح رمزاً للسلام. فهو يحتفي بإنجازات دولة الإمارات، بالإضافة إلى أنه يجمع الناس من مختلف الأطياف ليحتفلوا بمناسبات هامة من ثقافات أخرى. كما يعد اليوم الوطني لدولة الإمارات في شهر ديسمبر مثالاً آخر على حدث اكتسب معنىً جديداً مع تزايد عدد الجنسيات التي تحتضنها الدولة. وقالت الأستاذة خليفة في هذا الصدد: "من الرائع أن نرى أناساً من جنسيات أخرى يحتفلون معنا، فهذا يساهم في إرساء قيم السلام ومحاربة الإرهاب ويحد من السلبية في المجتمع."

كما تطرقت الجلسة إلى معالجة قضية المرونة؛ أي قدرة المدينة أو نظامها على مواجهة مشكلة أو كارثة واستيعاب الآثار السلبية الناجمة عنها أو تغييرها إلى الأفضل. وقد أنهت المؤسسة التي تعمل بها الدكتورة التني منذ ثلاثة أسابيع مشروعاً لتقييم المرونة في المدن العربية التقت فيه بممثلين عن 20 مدينة على مدار عامين، حيث قالت: "تبين لنا أنه في حين تتمتع المنطقة العربية بالتنوع وتعمل حكوماتها على تحقيق أهداف التنمية، لكن هنالك ضعف في إيصال رسالة الاستدامة إلى معظم أفراد المجتمع، فمعظم مشاكلهم تتعلق إمّا بالهجرة أو الفقر أو البعد عن وسائط النقل العام أو وتوزيع الأراضي. فكيف نتعامل مع هذه التحديات؟ بما أن تقييمنا يستند إلى نظرية تقول أن كل ما هو غير قابل للقياس فهو غير قابل للإدارة، علماً أن هذه المقاييس تخضع لمشكلات نوعية."

ومن بين اقتراحات الدكتورة التني لحل هذه التحديات، كان التعلم من الأب المؤسس المغفور له الشيخ زايد حين دمج الاستدامة في رؤيته للمستقبل منذ سنوات عديدة، وأضافت: "إننا نصبو إلى موازاة الإمارات في تقدمها، ونجاحها ليس وليد الصدفة."

إن مستقبل المدن العربية سيكون من مسؤولية شباب اليوم الذين يشكلون غالبية السكان، علماً أن مستقبل معظمهم معرض للخطر لأنهم مهمّشون. وبالنسبة للسيد خوري فإن جيل الشباب يعاني بسبب إخفاق الأجيال الأكبر سناً.

وقال السيد خوري بهذا الخصوص: "لقد تدنّت مستويات الثقة والشرعية بين الدولة ومكوناتها، وبين شيوخ القبائل وشبابها، وبين الزعماء الدينيين وأتباعهم، وبين الرجال والنساء، وبين المجتمع والبيئة. وقد قادنا سوء الإدارة هذا إلى الصراع وغياب العدالة وتعاظم النخبوية والفساد وتلاشي سيادة القانون. لقد فقدنا ذاكرتنا الجماعية ما أوقعنا في الطائفية وانعدام الهوية وفشل الخدمات".

لن يكون من السهل حل هذه المشكلات، لكن السيد خوري اقترح بأن الخطوة الأولى هي ضبط البوصلة. فيجب أن نحسّن نظرة المواطنين لواقعهم حتى يركزوا على المشكلات الحقيقية وينشروا السلام بدلاً من الطائفية، كما يتوجب على الحكومات تعزيز قدرتها على التنبؤ بالخلافات للحد من نتائجها السلبية. وأخيراً، يرى السيد خوري أنه يتعين على الحكومات إعادة بناء الثقة بين مكوناتها والبدء في خدمة المصلحة العامة، حيث قال: "لم نكن موفقين في التعامل مع تنوعنا، لذا ينبغي أن نعمل على تعزيز التواصل بين فئات المجتمع، ونتبع الأساليب التي أثبتت جدواها في الماضي، ونتعلم من تراثنا وذاكرتنا الجماعية، لكي نبني السلام."

مشاركات الجمهور:

افتتح السيد خوري النقاش بقوله أنه يتعين على المجتمع العودة إلى ركائز "الأب، الإمام، المعلم". وأشار إلى أن الرجال مضطرون للعمل في وظيفتين أو ثلاثة ما يجبرهم على قضاء ما لا يتجاوز 10 دقائق يومياً مع أطفالهم وقال: "لقد قيدهم هذا المستوى المعيشي فباتوا لا يملكون وقتاً للتواصل مع عائلاتهم. وإن لم يتم تحسين هذا المستوى، فلن يتمكنوا من بناء السلام". أفاد أحد الحضور بأن للأم دوراً هاماً في صنع السلام، وأن القيم التقليدية التي يريد السيد خوري إعادتها لم تعد تتناسب مع تطلعات الناس. أجاب السيد خوري: "لقد قمنا بتهميش القيم التقليدية خلال السنوات العشر الماضية بسبب توجهنا نحو الحداثة، واليوم أصبحت الأم تحل محل الأب كمستشارة زواج أو مستشارة مهنية أو دينية. ولكن على للرجال أن يساهموا أكثر، فهل تم تمكين المرأة فعلياً؟ في الأردن مثلاً تمتلك 10% من النساء بطاقة صراف آلي ولكن، بدون كلمة المرور".

ورأى أحد الحضور أن النسيج الاجتماعي في المنطقة يعاني ضعفاً، بما في ذلك رعاية القيم مثل التسامح والقدرة على التكيف، فردت الأستاذة خليفة: "هناك علاقة مباشرة بين المساحات الحضرية والنسيج الاجتماعي، حيث أن وزارة التسامح هي ثمرة هذا الواقع ونحن نعمل لنشر فضيلة التسامح ولا نزال بحاجة إلى العمل أكثر على بناء الإنسان".

وقال أحد الحضور أن كلمة "تسامح" غير ملائمة واقترح استبدالها بكلمة "تنوع"، حيث استشهد بأمثولة عن ناشط أسود عندما قال في اجتماع لمجلس البلدية رداً على سؤال: "كيف نعزز التسامح؟": "لا أريدكم أن تسامحوني بل أن تتقبلوني". وتوصل الحضور إلى أن المرونة لا تأتي من فراغ، وأشاروا أن الأمم المتحدة أرجعت مسببات التطرف العنيف إلى الظروف الاجتماعية والاقتصادية وهما السبب الرئيسي الذي تجب معالجته. كما ذكروا أن التقرير الأول عن الاستدامة في المنطقة العربية، أظهر أن ثلث الدول لم تمتلك أية مؤشرات، في حين امتلكت البقية واحد أو اثنين.

الأفكار الختامية:

سألت الأستاذة علي أحمد جميع المشاركين في النقاش، كيف يمكن للمدن العربية أن تعزز احتضان التنوع؟ فقال السيد خوري "تعلموا من قصص مدننا وتاريخها وثقافتها، وإلا فإننا لن نحرز أي تقدم". وقال السيد عصفور "علينا تمكين القيادة الخضراء في المجتمعات، ففكرة الانسجام مع الجميع ومع المحيط ككل ستجعل المواطنين أكثر تسامحاً". وقالت الدكتورة التني: "لدينا تشريعات وسياسات وجداول أعمال، ولكننا لا نطبقها بالشكل الوافي، لذا علينا الانتقال من النظرية إلى التطبيق". وقالت الأستاذة خليفة: "علينا أن نحدد تطلعات الناس، ثم نتعاون معهم على تحقيقها". وخَلصت الأستاذة علي أحمد إلى أن: "تنوعنا هو مكمن قوتنا، فلنغتنمه الآن أو سنخسره إلى الأبد."